الذين شوهوا الجمال
بالحقيقة
كتبتها بتاريخ : 4/6/1998م
الجمال شيء يسرُّنا ، سواء رأيناه أو سمعناه أو أحسسنا به ، لكن المشكلة في أن الإنسان غالبا ما يشوهه بالحقيقة ، وقد جُبل على ذلك منذ عهد آدم عليه السلام وحتى اليوم .
في البدء كان هناك جمالُ أنَّ الإنسان مُكرَّم من الله تعالى ، بسجود الملائكة له ، وبخلق العقل له ، وبحسن خَلْقه ، وما إلى ذلك مما تعلمون .. ثم أتى آدم عليه السلام ليشوه هذا الجمال بحقيقة كونه طمَّاعاً ، فأكل هو وزوجه من الشجرة طمعاً للوصول إلى الخُلد ، فكان عقابهما أن يخرجا من الجنة إلى يوم الدين ، ولا يعودان إليها ، لا هما ولا ذريتهما ، إلاَّ بعد أن يُبتلوا في الأرض .
وللعلم فإنه لا ضير من الطمع ما لم يسيطر علينا ، فإذا سيطر علينا تحول إلى جشع ، وهو ما يرفضه العقل والدين والمجمع ، وما يمكننا أن نعتبره إهانة لو نُعتنا به ، أما أن نقول بأن آدم عليه السلام طمَّاع ؛ فهذا ليس تنقيصاً في حقه عليه السلام ، فكل بني آدم طماع .
وكما أننا توارثنا عن أبينا آدم صفة الطمع ، فإننا أيضا توارثنا عنه صفة تشويه الجمال بالحقيقة .
هل تذكرون كيف كنا نعيش في أرحام أمهاتنا ؟ كنَّا في قمة الهناء والسعادة والراحة ، وكانت الحياة جميلة جدًّا ، حتى جاء وقتٌ علمنا فيه أننا خارجون من هذا العالم الجميل، إلى عالم آخر أوسع وأكبر ، لكنه مليء بالتعاسة والنكد والبلاء ، هنا تشوه الجمال الذي كنا نعيش فيه بحقيقة كوننا خارجين إلى ذلك العالم التعس ، حيث لا سلام ولا وئام، وحيث الكل ينهش لحم الكل ، وحيث المال هو المقياس الأساسي للسعادة .
ثم لننتقل إلى علماء الفلك وتشويههم للحقيقة ..
نحن نقول أن النجوم جميلة ، وأنها إلهام العاشقين والشعراء ، ولآلئ تزدان بها السماء ، وربما حلم البعض منا بالسفر إليها ، لجلب بعض منها إلى حبيباتهم ، ليتحلين بها ، وأشياء كثيرة مما يجيد الشعراء صياغته .. والغرب يقولون بأن كل إنسان يولد إنما تولد معه نجمة في السماء ، تحرسه أينما ذهب ، وتراقبه في ليله ، وتؤنسه في سهده وسهره وأرقه ، فإذا مات الشخص ماتت تلك النجمة معه ، ولذلك فنحن نرى الكثير من الشهب في السماء كل ليلة ، فنصدِّق ما يقولون .. كل ذلك رائع ، كل ذلك جميل ، لكنه جمال قام علماء الفلك بتشويهه بحقيقةِ أن تلك النجوم ما هي في حقيقتها إلاَّ أجرام ملتهبة تسبح في السماء ، أجرام هي النار ذاتها ، جحيم لا يطاق ، يخرج منها غاز كذا وكذا مما يجيدون ذكر معادلاتها وأسمائها بكل سلاسة ، فأحالوا الجمال إلى جحيم ، وجعلوا من جنةِ الشعراءِ جثةً للعلماء .
وذات الشيء فعلوا بالقمر ، ذلك الوجه البديع الذي طالما صوره المحبون بوجوه حبيباتهم ، وجه خجول ، يظهر تارة خفية ، ويظهر أحيانا كأنه يختلس النظر ، وطوراً جريء يعم السماء كله بنوره ، تماما كالنساء في سلوكياتهن .. هل قرأت يوماً قصة رومانسية جلس فيها الحبيبان في ظلمةِ ليلةٍ ليلاء ؟ بل لا بد من قمر قد اكتمل بدراً ، يحرسهما ويستمع إلى همساتهما ، هذا هو ديدن كل قصة ورواية وفيلم رومانسي ! .. والمصريون يصفون البنت الجميلة بأنها قمر أربعة عشر ، وذلك أن الشهر الهجري إذا وصل إلى اليوم الرابع عشر ، يكتمل فيه القمر بدراً ، فيكون في أجمل هيئة وصورة ، فكانت الفتاة الجميلة كالقمر في ذلك اليوم .
هذا القمر وهذا الجمال الرائع ، تجرأ علماء الفلك بتجريده من جماله ، ليصفوه لنا بأبشع الأوصاف ، وليشوهوا لنا جماله بحقيقته وواقعه ، وأنه ليس سوى صخور ورمال وبراكين ، و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ